تردي الوضع المادي للقضاة وتدهور ظروف العمل بالمحاكم

أنشئ: 04/26/2017 - 16:23

مذكرة الندوة الصحفية المنعقدة بتاريخ 26 أفريل 2017 بقصر العدالة - تونس

نعقد هذه الندوة الصحفية وسط أجواء احتقان غير مسبوقة في الوسط القضائي بسبب ما نلاحظه من استمرار سياسة التجاهل من الحكومة ومن وزارة العدل لفتح باب الحوار بخصوص المطالب المتأكدة المتعلقة بتردي الوضع المادي للقضاة وتدهور ظروف العمل بالمحاكم وهي سياسة أصبحت تدل على الفشل في إدارة الملف القضائي وفي تحقيق الاصلاحات الدنيا في القضاء وفي المحاكم وفي كل المؤسسات القضائية فتخلي وزارة العدل عن أي حوار أو تفاوض بخصوص أوضاع القضاء إنما يدل على غياب أي خطة عمل لها وأي تصور في هذا الصدد .
كما أن من العناوين البارزة لسياسة التخبط والفشل لوزارة العدل في إدارة الملف القضائي بمفاقمة الأزمة وأسباب الاحتقان هو ما تم الترويج له من توجه الوزارة إلى الاقتطاع من مرتبات القضاة على خلفية تحركاتهم الاحتجاجية دفاعا على مصالحهم المشروعة وعلى حقهم في أن يتوفر لهم إطار للحوار حول تلك المطالب وذلك عوض مراجعة هذه السياسة الفوقية التي تشكل تراجعا خطيرا على أدنى مبادئ التشاركية والديمقراطية وهنا نغتنم هذه الفرصة لنجدد التحذير من أي مساس بمرتبات القضاة الذي سيتم التصدي له بتحركات غير مسبوقة ولنطالب وزير العدل بمراجعة سياساته الخاطئة في إدارة الملف القضائي.
نوضح أيضا ومن جانبنا ورغم هذا التخلي من الحكومة ومن وزارة العدل على تقديم أي حلول للنهوض بالأوضاع المتردية للقضاء فإننا متحملون لمسؤولياتنا كجمعية تدافع على استقلال القضاء وعلى الاصلاح القضائي وعلى المصالح المادية والمعنوية للقضاة في مواصلة التحركات لفرض ملف الاصلاح القضائي على المدى العاجل أو على المدى المتوسط والبعيد.
في هذا السياق تتنزل احتجاجات القضاة التي انطلقت مطلع هذا الاسبوع 24/04/2017 وستتواصل إلى لمدة 5 أيام إلى غاية يوم 28/04/2017 بحمل الشارة الحمراء وبتأجيل النظر في القضايا وتأخيرها على حالتها.

1- تدني الوضع المادي للقضاة
ونذكر هنا أن التدهور غير المسبوق للوضع المادي للقضاة قد بلغ حد التنقيص من مرتباتهم هذه السنة .فمن الإصلاحات التي كانت المنتظرة بعد الثورة هي تحسين الوضع المادي للقضاة بما ينأى بهم على كل ضغوطات والإغراءات خاصة مع المسؤوليات الكبرى الموكولة للقضاء اليوم في محاربة الفساد والإرهاب وضمان نزاهة الانتخابات بالبت في النزاعات الانتخابية وفي مراقبة تمويل الحملات الانتخابية وما يمكن ان تلتبس به من استعمال للمال سياسي مشبوه .
ان ما وصلت اليه الوضعية المادية للقضاة التونسيين اليوم مخالف لكل معايير الاستقلالية والمواثيق الدولية التي تنص بكل وضوح على انه مهما كان الظرف الاقتصادي صعب فانه لا يمكن التنقيص من مرتبات القضاة ولا يمكن ان تكون الوضعية المادية للقضاة وضعية صعبة يعانون فيها من الضغوطات المعاشية .( إعلان بيكين حول استقلال السلطة القضائية المادة 42 "عندما تحول العوائق الاقتصادية دون تخصيص التسهيلات والموارد التي يعتبرها القضاة كافية لتمكنهم من إداء وظائفهم، فإن المحافظة الضرورية على سيادة القانون وحماية حقوق الانسان تتطلب إيلاء درجة عالية من الاولوية لتخصيص الموارد للجهاز القضائي والمحاكم التي تمكن القضاة من أداء مهام أعمالهم".)
نشير هنا إلى أن من المؤشرات الخطيرة على تردي الرهيب للأوضاع المادية للقضاة هي كثرة الاستقالات ومغادرة القضاة القضاء للمحاماة ما يشكل خسارة كبرى لكفاءات وخبرات تكوّنت على امتداد عشرات السنين.
2- تردي ظروف العمل بالمحاكم:
كما نذكر بالنسبة لظروف العمل بالمحاكم بالصعوبات الجمة التي يعاني منها يوميا القضاة وكل شركائهم في مرفق العدالة من محامين وكتبة وإطار اداري الى درجة أصبح من المتعذر معها البت في القضايا وتقديم الخدمة القضائية الجيدة والقريبة التي توصل الحقوق لأصحابها في الاجال المعقولة.
نقص القضاة مع التضخم الرهيب لعدد القضايا والمهمات ,نقص الكتبة , مقرات المحاكم في وضعية تدهور من حيث قدم المباني وغياب الصيانة وعدم استجابة المباني للمواصفات المفروضة في مقرات المحاكم (عمارة مقر محكمة مستودع محكمة ناحية) .... ضعف امن المحاكم ( خير مثال على ذلك حادثة المنستير يوم 17 أفريل 2017 والمتمثلة في تعمّد مجموعة من الأفراد اقتحام المحكمة والتوجه إلى قاعة جلسة انعقاد الدائرة الجنائية ومحاولة دخولها عنوة على اثر وفاة أحد السجناء خلال مدة قضائه للعقوبة تحت اشراف إدارة السجون مما اضطر أحد أعوان الأمن ازاء ذلك الهجوم و بإعانة بعض من السادة المحامين بالنظر إلى ضعف عدد الإطار الأمني الموجود بالجلسة وعجزه عن تأمين الحماية الكافية للمتواجدين بها إلى غلق باب القاعة ورغم ذلك عمدت تلك المجموعة إلى محاولة اقتحام قاعة الجلسة بطرق بابها وركله ودفعه بغاية فتحه مما أحدث البلبلة داخل القاعة وأدخل حالة من الهلع والذعر في صفوف كل الحاضرين فيها وممّا حال دون مواصلة سير جلسة الدائرة الجنائية التي كان رئيسها في تلك اللحظة بصدد استنطاق جملة من المتهمين الموقوفين الأمر الذي أجبره أمام هول المشهد وما قد ينتج عنه من تبعات خطيرة في صورة تمكن المجموعة المذكورة من فتح الباب والولوج داخل القاعة على رفع الجلسة .)
نقدم هنا بعض الأرقام بخصوص الميزانية المرصودة للعدالة في تونس الميزانية المرصودة لسير المحاكم العدلية 234 مليون دينار وتلك المرصودة للمحكمة الإدارية ولدائرة المحاسبات 30 ملبون دينار أي أن جملة ما هو مرصود للمرفق القضائي لا يتجاوز الـ270 مليون دينار أي بنسبة لا تتجاوز 0.9 بالمائة من الميزانية العامة للدولة وهي دون الحد الأدنى المطلوب طبق المعايير الدولية الذي يتراوح بين 2 أو 6 بالمائة.
ومن الدلائل القاطعة على انعدام الارادة السياسية لدى الحكومة في دعم القضاء للاضطلاع بالمهام الموكولة إليه في هذه الفترة من الانتقال الصعب وعلى راسها دوره في التصدي للفساد , غياب سياسة جزائية في هذا المجال تجعل هذه الجرائم جرائم ذات أولوية في التتبع وتوفر الامكانات المادية واللوجستية للقضاء لتحقيق نتائج ملموسة في ذلك .
ويتجلى غياب هذه الارادة السياسية في عدم تركيز القطب القضائي والاقتصادي المالي إلى حد هذا التاريخ وبعد المصادقة على القانون المحدث له عدد 77 المؤرخ في 6/12/2016 الذي بقي في الرفوف دون تفعيل.
3- مقترحات تحسين الوضع المادي للقضاة وظروف العمل بالمحاكم
*كما نعلن أيضا أننا توجهنا بمذكرات لرئيس الحكومة ولوزير العدل تضم مطالب محددة بخصوص الوضع المادي للقضاة في انتظار افرادهم بسلم تأجير مستقل ومقترحات مشاريع أوامر تتعلق بــ :
- بمنحة الاستمرار: اقتراح الترفيع في مقدار هذه المنحة خاصة انه لم يشهد تغييرا منذ اوت 2011
- بالمنح والامتيازات المخولة للقضاة العدليين والإداريين والماليين، والتي تقل بكثيرعن تلك المخولة للمكلفين بخطط وظيفية من الأعوان العموميين، حتى بمنطق التنظير مع الوظيفة العمومية.
- بمنحة الاعباء القضائية الإضافية : أوكلت القوانين المتعلقة بالانتخابات والاستفتاء وبمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال وبمكافحة الفساد في إطار القطب القضائي الاقتصادي والمالي أعباء إضافية للقضاة كمّا وكيفا بتعهيدهم بنزاعات شائكة ومعقدة تتطلب منهم بذل مجهود إضافي ومضاعف
-منحة النقلة لمصلحة العمل: للقضاة من الصنف العدلي ولقضاة المحكمة الإدارية ولقضاة دائرة المحاسبات الذين تتم نقلتهم خارج مراكز عملهم دون رضاهم طبق أحكام الفصل 48 من قانون المجلس الأعلى للقضاء
- منحة التعيين لمصلحة العمل : للقضاة من الصنف العدلي ولقضاة المحكمة الإدارية ولقضاة دائرة المحاسبات الذين يتم تعيينهم لأول مرة بمراكز عمل غير تلك التي رغبوا في التعيين فيها إثر تسميتهم كقضاة.

*أما بالنسبة للنهوض بأوضاع العمل بالمحاكم فقد تقدمنا بمقترح احداث
"صندوق دعم جودة العدالة"
-يفتح بدفاتر أمين المال العام للبلاد التونسية حساب خاص في الخزينة يخصّص لدعم البنية التحتية للمحاكم العدلية والإدارية والمالية خاصة بالجهات الداخلية وتعصير ظروف العمل بها وتحفيز الكفاءات القضائية على الالتحاق بها، يسمّى "صندوق دعم جودة العدالة".
يتم تمويله بإحداث معلوم يسمى "معلوم النشر" يوظّف بمناسبة إيداع الشكايات ومطالب الأعمال الولائية ورفع القضايا أمام المحاكم العدلية والإدارية والمالية.
ويوظف المعلوم كما يلي:
-إيداع شكاية أو مطلب عمل ولائي: 5 دنانير.
-نشر قضية لدى محكمة درجة أولى: 20 دينارا.
-نشر قضية لدى محكمة درجة ثانية: 30 دينارا.
- نشر قضية لدى محكمة التعقيب أو المحكمة الإدارية العليا: 50 دينارا
وتعفى من معلوم النشر :
- القضايا المرفوعة من الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية،
-القضايا المرفوعة بموجب إعانة عدلية،
-القضايا المرفوعة في المادة الشغلية،
-القضايا المرفوعة في مادة الضمان الاجتماعي،
-القضايا المرفوعة في مادة تجاوز السلطة،
- القضايا المرفوعة في إطار نظام جبر أضرار حوادث الشغل والأمراض المهنية، - القضايا المتعلقة بدفع نفقة.
4 - في الرد على المغالطة الكبرى التي روّجت لها الهياكل الفاقدة للتمثيلية بالقول أن الجمعيات القضائية ليس لها الحق النقابي:
ردا على المغالطات التي تم تسويقها من قبل الهياكل فاقدة التمثيلية لضرب تحركات القضاة المشروعة في النهوض بأوضاعهم المادية وتحسين ظروف العمل بالمحاكم والقائلة بأنه ليس لجمعية القضاة التونسيين أن تدعو إلى الاضرابات والذي هو حق حكر على النقابات نوضح هنا أن أغلب القضاة ينتظمون في شكل جمعيات عبر العالم مقابل اقلية من النقابات و مراعاة لخصوصية السلطة القضائية فقد اقتضت النقطة التاسعة من مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ( 1985)". تكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات للقضاة أو غيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي، وفى الانضمام إليها." أي ان الغرض الأساسي من تكوين الجمعيات القضائية هو الدفاع عن استقلال القضاء و من ضمانات هذا الاستقلال هو الأمان المالي للقاضي و توفير الموارد الكافية للقضاء و يكون بالتالي الدفاع عن هذه الضمانات الجوهرية دفاعا عن استقلال القضاء و يدخل بالتالي في صميم اهداف الجمعيات القضائية و لتحقيق هذه الأهداف من الطبيعي ان تمارس الجمعيات القضائية جميع الاشكال النضالية الجماعية و منها حق الاضراب و الا لا معنى للدفاع عن استقلال القضاء و عن المصالح المادية و المعنوية للقضاة دون أدوات و وسائل للوصول الى هذا الهدف .
واشهر الجمعيات القضائية الجمعية الوطنية للقضاة الإيطاليين التي تدعوا في نطاق نشاطها ونضالها في الدفاع على استقلال القضاء الى الإضرابات منها الاضراب الشهير الذي دعت له ونفّذ سنة 1980 بعد اغتيال قاضي النيابة العمومية ماريو أموتو Mario Amoto من قبل منظمة ارهابية فاشية . والاضراب الذي دعت له ونفذ سنة 2005 ضد التنقيحات التي قام بها وزير العدل كستالي للإضعاف من استقلالية النيابة العمومية والإضراب الذي دعت له سنة 2008 ضد قانون المالية الذي خفّض من الاعتمادات المرصودة لحسن سير العدالة.
كما نذكر هنا أيضا الجمعيات القضائية في اسبانيا التي دعت للإضراب الشهير سنة 2009 احتجاجا على ظروف العمل بالمحاكم .
نشير هنا إلى أن الجمعيات القضائية هي جمعيات مهنية نقابية بحكم نشاطها في الدفاع على استقلال القضاء والمصالح المادية والمعنوية للقضاة وهذا ما يجعلها تتمتع بالحق النقابي في الاضراب وتمارسه في اتجاه مستقر وفي أغلب الدول الديمقراطية التي ينتظم فيها القضاة في شكل جمعيات وهو الشكل الغالب في العالم.
5- بالنسبة للدعوة لانعقاد المجلس الأعلى للقضاء:
هنا لا يمكننا أن لا نذكر بما شاب مسار هذا التركيز من خروقات دستورية وقانونية انتهت بالتدخل التشريعي لفرض إرادة الأغلبية البرلمانية لتنقيح قانون المجلس وأن هذا الخيار الذي استبعد الحلول القانونية طبق قرارات المحكمة الادارية والحل التوافقي طبق المبادرة القضائية التي أحرزت على موافقة ثلثي أعضاء المجلس تجعل من المخاوف الناتجة عن التدخل القسري بما سمي بالتصحيح التشريعي مخاوف جدية على حسن سير العمل داخل المجلس والجمعية ستتعامل مع الوضع بالتفاعل النقدي وسيكون موقعها موقع الملاحظ والمراقب والحكم على الأداء بحسب تطور الأوضاع وسيكون لكل حدث حديث في هذا الشأن.
وما نؤكد عليه أن التحركات والاحتجاجات ستتواصل دفاعا على تحسين الوضع المادي للقضاة وظروف العمل بالمحاكم إلى حين فتح باب الحوار ووضع أطر النقاش الجدي بخصوص هذا الملف من قبل الحكومة ووزارة العدل .

جلال الڨاسمي
أتولى القيام بالاعمال الادارية إدارة مقر جمعية القضاة التونسيين بقصر العدالة بتونس منذ سنة 1990، عملي بالأساس الرقن واستقبال المكالمات الهاتفية وتحضير الاجتماعات وإنجاز الملفات الخاصة بذلك والعمل على حسن استقبال الوافدين على مقر الجمعية.